أحمد بن يحيى العمري
53
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فأظهر له القبول ، ثم طلبه خفية ، وقال له : ما يدخلك بين بني فاطمة وبني العباس ، ثم طرده ، ثم هجم المدينة وأخذها وخطب للقائم بها ، وسمّي أمير الحرمين ، وتوفي سنة سبع وثمانين وأربع مائة وكانت مدته ثلاث وثلاثين سنة ، ثم قام بعده ابنه قاسم ، قال مؤلف الكنوز : فزاد في الاضطراب في الخطبة على أبيه ، وقطع مدته بما أسأل الله مسامحته فيه ، ومات سنة ثمان عشرة وخمس مائة بعد عمر متّع به في القصف والتقلب بلغ إحدى وثلاثين سنة ، ثم قام بعده أبو فليتة ، فأحسن السياسة ، وأحسب « 1 » في الرياسة ، وأسقط المظالم ، وأسخط بمراضي الله الظالم ، وكان جوادا لا يحتجب ، وشجاعا لا يغفل عما يجب ، وقال يوما : اعلموا يا بني حسن ، إني وجدت الرقاب ثلاثا ، رقبة ملكتها بالمنن ، ورقبة ملكتها بالصفع ، ورقبة لم ينفع فيها إلا السيف ، فقالوا : والله إنك لأعرف بما تقول وتفعل ، وتوفي قتيلا بسكاكين الباطنية سنة ست وخمسين وخمس مائة ، ومدته عشرون سنة ، ثم قام بعده ابنه عيسى ، كان صديقا للملك الناصر بن أيوب صداقة لا ينفصم عراها ، ولا يوقظ كراها ، وفي أيامه كان أخذ الأصطول الناصري لأصطول صاحب الكرك الفرنجي ، الذي قصد ما رده الله بغيظه دونه ، وأخذ ونحر من فيه بجمرة العقبة حيث تنحر البدن ، ثم عزله الإمام الناصر لتقصيره في خدمة أمّه لمّا حجّت ، وولى أخاه المكثر ، ولم يتقدم في أهل بيته أجلّ منه ولا أجل سنا فما يؤثر عنه ، هذا على قصر مدته ، وتخاذل زمانه ، وبنى قلعة مكة على جبل أبي قبيس « 2 » ، قال الريحاني : كان ذا شهامة بعيد الصيت والغور ، وشعره كثير ،
--> ( 1 ) أحسب : أجزل العطاء حتى يقول الآخذ حسبي . ( 2 ) أبو قبيس : جبل مشرف على مسجد مكة من شرقيها يقابله قعيقعان من غربيها ، وهو أحد الأخشبين . ( ياقوت : أبو قبيس )